أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
268
العقد الفريد
هذا أمر لم أشهد أوله ، ولا علم لي بآخره ؛ وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم ، وشهد الشهود بما سمعتم ؛ فالحمد للّه الذي رفع منا ما وضع الناس وحفظ منا ما ضيّعوا ؛ وأما عبيد فإنما هو والد مبرور ، أو ربيب « 1 » مشكور ، ثم جلس . وقال زياد : ما هجيت ببيت قطّ أشدّ عليّ من قول الشاعر : فكّر ففي ذاك إن فكّرت معتبر * هل نلت مكرمة إلا بتأمير عاشت سميّة ما عاشت وما علمت * أنّ ابنها من قريش في الجماهير سبحان من ملك عبّاد بقدرته * لا يدفع الناس أسباب المقادير وكان زياد عاملا لعليّ بن أبي طالب على فارس ، فلما مات علي رضي اللّه عنه وبايع الحسن معاوية عام الجماعة ، بقي زياد بفارس وقد ملكها وضبط قلاعها ، فاغتم به معاوية ، فأرسل إلى المغيرة بن شعبة ، فلما دخل عليه قال : لكل نبأ مستقرّ ، ولكل سر مستودع ، وأنت موضع سري وغاية ثقتي . فقال المغيرة : يا أمير المؤمنين إن تستودعني سرك تستودعه ناصحا شفيقا ، ورعا رفيقا ؛ فما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ذكرت زيادا واعتصامه بأرض فارس ومقامه بها ، وهو داهية العرب ، ومعه الأموال ، وقد تحصن بأرض فارس وقلاعها يدبر الأمور ؛ فما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت ، فإذا هو قد أعادها جذعة « 2 » ! قال له المغيرة : أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه ؟ قال : نعم . فخرج إليه ، فلما دخل عليه وجده وهو قاعد في بيت له مستقبل الشمس ؛ فقام إليه زياد ورحّب به وسرّ بقدومه ، وكان له صديقا ؛ وذلك أن زيادا كان أحد الشهود الأربعة الذين شهدوا على المغيرة ، وهو الذي تلجلج « 3 » في شهادته عند عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فنجا المغيرة وجلد الثلاثة من الشهود ، وفيهم أبو بكرة أخو زياد ، فحلف [ أبو بكرة ] أن لا يكلم زيادا أبدا . فلما تفاوضا في الحديث قال له المغيرة : أعلمت أن معاوية استخفّه الوجل « 4 » حتى
--> ( 1 ) الربيب : زوج الأم . ( 2 ) أعادها جذعة : أي أول ما يبتدأ فيها . ( 3 ) تلجلج : تردد في كلامه ولم يبن . ( 4 ) الوجل : الخوف والفزع .